محمد حسين علي الصغير

176

المبادئ العامة لتفسير القرآن الكريم

واستدل عليه بلاغيا بقوله : « فإن قلت قوله : لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ وما سرد من الأوصاف عقيبه إن كان من قولهم فما تصنع بقوله فَأَنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً وإن كان من قول اللّه فما وجهه ؟ قلت : هو من قول اللّه لا من قولهم ، ومعنى قوله لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ الذي من صفته كيت وكيت ، لينسبن خلقها إلى الذي هذه أوصافه وليسندنه إليه » « 1 » . ورد ابن المنير بأنه انتقال من كلامهم إلى كلام اللّه فجرى كلامه على ما عرف من الافتنان في البلاغة فجاء أوله على لفظ الغيبة وآخره على الانتقال منها إلى التكلم فَأَنْشَرْنا كل ذلك افتنان في أفنان البلاغة « 2 » . والحق أن في الآيات التفاتا بلاغيا إلى خطاب المشركين أو كفار مكة بعد صرفه عنهم إلى الرسول الأعظم لإرادة الاعتراف والاقرار منهم بأن الخلق والتدبير مختص معا باللّه تعالى لا يشاركه فيه أحد ، وحكمة قرعهم بهذا الخطاب إثبات تهافت الأقوال الباطلة ، بدليل الاستدلال على ذلك بهذا السيل من الدلالات البرهانية القاطعة على الوجه التالي : 1 - إنه الخالق والصانع لهذه الكائنات والموجودات المرئية وغير المرئية ، وفي ذلك إحباط لبقايا العقائد المتخلفة عند قريش بخاصة والمشركين عامة القائلة بإنكار المقتضيات الطبيعية لحقيقة الايجاد الإلهي ، فالفطرة تحقق أن لا بد من خالق ، والأساطير البالية المتركزة في أذهان المشركين تنكر ما يدور حول هذه الفطرة من لوازم وحيثيات ، فهم يتأرجحون بين بداهة لا تجحد ، وبين عقلية لا تتحرر . 2 - إنه هو العزيز الذي لا يقهر ، والعليم الذي لا يحاول ، وهنا ملحظ خفي بكونهم أذلاء باعترافهم بعزته تعالى ، وجهلاء باقرارهم بعلمه الذي لا يتناهى ، ومع ذلك فقد أنكروا قدرته على البعث والنشور ، لذلك وصف نفسه بخصائص أخرى مضافا إلى ما سبق ذكره . 3 - إيجاده للأرض مهدا بحيث تصلح للتربية والنفع والاستثمار ، وذلك بايجاد مسببات الانتفاع من شق السبل ، وسن المسالك في التنقل

--> ( 1 ) الزمخشري ، الكشاف : 4 / 187 . ( 2 ) ابن المنير ، الانتصاف ، ذيل الكشاف : 4 / 187 .